القاضي النعمان المغربي

52

تأويل الدعائم

هو كذلك يصوم دهره ولم يكن يأتي النساء كما لا يجوز للصائم أن يأتيهن في حال صومه « 1 » ، والحج مثله مثل محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو أول من أقام مناسك الحج وسنّ سنته وكانت العرب وغيرها من الأمم تحج البيت في الجاهلية ولا تقيم شيئا من مناسكه كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله : « وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً » « 2 » وكانوا يطوفون به عراة فكان أول شيء نهاهم عنه ذلك فقال في العمرة التي اعتمرها قبل فتح مكة بعد أن وادع أهلها وهم مشركون : لا يطوفن بعد هذا بالبيت عريان ولا عريانة ، وكانوا قد نصبوا حول البيت أصناما لهم يعبدونها فلما فتح اللّه مكة كسرها وأزالها وسن لهم سنن الحج ومناسكه وأقام لهم بأمر اللّه معالمه وافترض فرائضه وكان الحج خاتمة الأعمال المفروضة وكان هو صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، فلم يبق بعد الحج من دعائم الإسلام غير الجهاد وهو مثل سابع الأئمة الّذي يكون سابع أسبوعهم الأخير الّذي هو صاحب القيامة وهو كما تقدم القول فيما سمعتموه يعد سابعا للنطقاء إذ قد يجمع اللّه الناس كلهم على أمره فلا يدع أحدا خالف دين الإسلام وحدود الإيمان إلا قتله وهو أحد أئمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وآخر إمام من ذريته ودعوته ودعوة جميع الأئمة إلى شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ففضله اللّه بذلك على سائر من تقدمه من المرسلين وجعل له دونهم فضيلتين ومثلين الحج والجهاد وإذا كان الّذي مثله مثل الجهاد من أهل دعوته وشريعته وأحد أولاده وأئمة دينه فلذلك قام هو أيضا بالجهاد مع إقامة الحج ، والجهاد ليس من أصل الأعمال إنما هو دعاء إلى اتباع الشريعة وقتل من امتنع من ذلك وكذلك مثله الّذي هو خاتم الأئمة لا يكون في وقته عمل كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله : « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً » « 3 » ، فلذلك كان محمد صلى اللّه عليه وسلم الّذي هو خاتم النبيين مثله مثل الحج الّذي هو خاتم الأعمال وفرضه مرة واحدة في العمر ولا يفوت المرء ما دام حيّا إذا لحقه وإن مات قضى عنه بعد موته وكذلك يجرى هذه الأمثال في أسابيع الأئمة

--> ( 1 ) وتتجلى النسبة بين عيسى والصوم فيما أحاط بشريعته وأمته من الزهد والرهبانية والصيام بجميع أنواعه . ( 2 ) سورة الأنفال : 34 . ( 3 ) سورة الأنعام : 158 .